العيني

36

عمدة القاري

حول ، نقلت كسرة الواو إلى ما قبلها بعد حذف الضمة منها فصار : حيل . قوله : ( بين الشياطين ) جمع : شيطان . قال الزمخشري : وقد جعل سيبويه نون : الشيطان ، في موضع من كتابه أصلية ، وفي آخر زائدة ، والدليل على أصالتها قولهم : شيطان ، واشتقاقه من : شطن ، إذا بعد لبعده عن الصلاح والخير ، أو من : شاط ، إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة ، ومن أسمائه : الباطل . والشياطين : العصاة من الجن ، وهم من ولد إبليس . والمراد أعتاهم وأغواهم ، وهم أعوان إبليس ينفذون بين يديه في الإغواء . وقال الجوهري : كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان . وقال القاضي أبو يعلى : الشياطين مردة الجن وأشرارهم ، ولذلك يقال للشرير : مارد وشيطان ، وقال تعالى : * ( شيطان مريد ) * ( الصافات : 7 ) . وقال أبو عمر بن عبد البر : الجن منزلون على مراتب ، فإذا ذكر الجن خالصا يقال : جني ، وإن أريد به أنه ممن يسكن مع الناس : يقال : عامر ، والجمع : عمار ، وإن كان مما يعرض للصبيان يقال : أرواح ، فإن خبث فهو شيطان ، فإن زاد على ذلك فهو مارد ، فإن زاد على ذلك وقوي أمره فهو عفريت ، والجمع : عفاريت . انتهى . وفي الحديث المذكور ذكر وجود الجن ووجود الشياطين ، ولكنهما نوع واحد ، غير أنهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لهما ، وهو الكفر والإيمان ، فالكافر منهم يسمى بالشيطان ، والمؤمن بالجن . قوله : ( وأرسلت عليهم الشهب ) ، بضم الهاء : جمع الشهاب ، وهو شعلة نار ساطعة كأنها كوكب منقضٍ ، واختلف في الشهب : هل كانت يرمى بها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ لقوله تعالى : * ( وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ) * إلى قوله : * ( رصدا ) * ( الجن : 8 9 ) . فذكر ابن إسحاق أن العرب أنكرت وقوع الشهب ، وأشدهم إنكارا ثقيف ، ، وأنهم جاؤوا إلى رئيسهم عمرو بن أمية بعدما عمي فسألوه ، فقال : انظروا إن كانت هي التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فهو خراب الدنيا وزوالها ، وإن كان غيرها فهو لأمر حدث ، وإن الشياطين استنكرت ذلك وضربوا في الآفاق لينظروا ما موجبه ، ونفس الآية الكريمة تدل على وجود حراسها بما شاء الله تعالى ، إلاّ أنه قليل ، وإنما كثر عند أبان مبعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا : ملئت حرسا شديدا لأنهم عهدوا حرسا ، ولكنه غير شديد ، ولأن جماعة من العلماء ، منهم ابن عباس والزهري ، قالوا : ما زالت الشهب مذ كانت الدنيا ، يؤيده ما في ( صحيح مسلم ) من قوله صلى الله عليه وسلم : ( ورمى بنجم ما كنتم تقولون أن كان مثل هذا في الجاهلية ؟ قالوا : يموت عظيم أو يولد عظيم . . ) الحديث . وذكر بعضهم أن السماء كانت محروسة قبل النبوة ، ولكن إنما كانت تقع الشهب عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل أو إرسال رسول إليهم ، وعليه تأولوا قوله تعالى : * ( وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) * ( الجن : 10 ) . وقيل : كانت الشهب مرئية معلومة ، لكن رجم الشياطين وإحراقهم لم يكن إلاّ بعد نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : كيف تتعرض الجن لإتلاف نفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم ؟ أجيب : قد ينسيهم الله تعالى ذلك لينفذ فيهم قضاؤه ، كما قيل في الهدهد : إنه يرى الماء في تخوم الأرض ولا يرى الفخ على ظهر الأرض ، على أن السهيلي وغيره زعموا أن الشهاب تارة يصيبهم فيحرقهم ، وتارة لا يصيبهم ، فإن صح هذا فينبغي كأنهم غير متيقنين بالهلاك ولا جازمين به . وقال ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات ، فلما ولد عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، منعت من ثلاث سماوات ، فلما ولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت منها كلها . وقال ابن الجوزي ، رحمه الله ، الذي أميل إليه أن الشهب لم تر إلاّ قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث ، وعن الزهري : كانت الشهب قليلة فغلظ أمرها وكثرت حين البعثة . وقال أبو الفرج فإن قيل : أيزول الكوكب إذا رجم به ؟ قلنا : قد يحرك الإنسان يده أو حاجبه فتضاف تلك الحركة إلى جميعه ، وربما فصل شعاع من الكوكب فأحرق ، ويجوز أن يكون ذلك الكوكب يفنى ويتلاشى . قوله : ( فاضربوا ) أي : سيروا في الأرض كلها ، يقال : فلان ضرب في الأرض إذا سار فيها ، وقال الله تعالى : * ( وإذا ضربتم في الأرض ) * ( النساء 101 ) . أي : سرتم . قوله : ( مشارق ) ، منصوب على الظرفية أي : في مشارق الأرض وفي مغاربها . قوله : ( فانصرف أولئك ) ، أي : الشياطين الذين توجهوا ناحية تهامة ، وهي بكسر التاء . وفي ( الموعب ) : تهامة اسم مكة ، وطرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج ، وأولها من قبل نجد مدارج عرق ، فإذا نسب إليها يقال : تهامي ، بفتح التاء ، قاله أبو حاتم . وعن سيبويه ، بكسرها . وفي ( أمالي الهجري ) : آخر تهامة أعلام الحرم الشامي . وفي كتاب الرشاطي : تهامة ما ساير البحر من نجد ، ونجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب ، والصحيح أن مكة من تهامة . وقال المدائني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ونجد وحجاز وعروض